كادَ صوتُهُ يختنق وهو يصف آخر لحظاته في زهرة المدائن عندما انسلَّ منها تحت جُنح الظَّلام إلى المجهول. بدا آنذاك أشدّ بؤساً من أيّ مخلوق بشريٍّ على وجهِ الأرض.
رفع رأسَه ببطء، ولم ينبس بكلمة واحدة. التفتُّ إليه وقلتُ:
“حسناً.. هذا ما تريده! لكنْ لماذا يكتب رفاقك مذكّراتهم ويمجِّدون أعمالَهم، ويَظهرون كأنَّهم لم يُسهموا بضياع فلسطين”.
تنفَّستُ الصُّعَداء واسترخيتُ في مقعدي وشرعتُ بالتَّحدُّث عن مذكرات رفاقه الذين لم يذكروهُ في كتبه، وقد كان في يومٍ قائدَهم.
ضاق فاضل ذرعاً بما أقول، ونظرتُ إليه نظرة تمور بالتَّقدير لما فعله من أجل بلدي، وقلتُ له بكلمات تفيض بالتَّأثر:
“لن تبقى منسيّاً إلى الأبد، أعدك أنْ أكتبَ عنك في يوم قادم”.
وضعتُ كلتا يديّ على صدري إشارةً للقسم، ورانتْ على عينيه سحابة ثقيلة لامسَتْها دمعة تحجَّرت في مآقيه، وبدا كأنَّه لا يرغب في الكلام.
الدكتور سميح مسعود
شاعر وكاتب وباحث ، ولد عام 1938 في حيفا - فلسطين ، درس في مدرسة البرج الحيفاوية حتى الثالث ابتدائي ، ثم هاجر مع عائلته عام 1948 الى بُرقة التي تنحدر منها عائلته ، بعد ان أنهى دراسته الثانوية درس في جامعتي سراييفو وبلغراد في يوغوسلافيا ، حصل في عام1963 على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة سراييفو ، وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد عام 1965 ، و على درجة الدكتوراة في الاقتصاد عام 1967 من جامعة بلغراد .