أرادَ فؤاد أن يغتسل من نزيف المشاوير الضَّائعة والكلام المزيَّف وجداول المواعيد الأسبوعية فارغة المعنى، من ضجيج المقاهي واللقاءات وتَصَنُّع الفنَّانين والمثقَّفين المُقرِف، من أصحابه الذين شربوا من دماء بعضهم البعض حُبًّا وغيظًا، مُدمني الحياة ولصوص الكُتُب المَهَرَة، من أُمِّه وخوفها الخانق منه وعليه، ومشاجراتهما المتواتِرَة حول كل شيء، من “خُذ وهات” و”فينك يا عم” و”تحت النظر” و”كلُّه بحسابه”.
أرادَ أن يترك وراءه المدينةَ الفاجرة وغواية الشوارع ونداءاتها الرخيصة على أرصفة البيع والشراء. الأغلال تشدُّه كل مرَّة إلى الفرحة الخاسرة، ولو توضَّأ بالنور ألفَ مَرَّة لَمَا وضع عنه أثر الأوزار والذنوب.
فهل نسي ما قاله صديقه العجوز له، في حُلمهما السِّرِّي آخر مرَّة؟ “كما حطَّمتَ حياتَكَ هنا. في هذا الرُّكن الصغير، فقد حطَّمتَها في العالَم كله”.
هكذا؟! بلا أملٍ يا “كافافي”؟!
نعم، وبلا يأسٍ يا أمير.
محمد عبد النبي، كاتب ومترجم مصري من مواليد 1977. صدرت له مجموعات قصصية وروايات عديدة منها رواية «في غرفة العنكبوت» التي تُرجمت إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية والتي حازت على جائزة الأدب العربي المقدمة من معهد العالم العربي في باريس عام 2019؛ وروايته «رجوع الشيخ» التي رُحشت ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية؛ وروايته «شبح أنطون تشيخوف» الحاصلة على جائزة ساويري لثثقافة في دورتها التاسعة عام 2010. كما له جوائز أدبية أخرى. ويعتبر عبد النبي المؤسس لورشة «الحكاية وما فيها» والتي تهتم بتعليم وتطوير مهارات الكتابة الأدبية.