القطائع.. هذه المدينة بها سحر القدماء ولعنتهم. لا مفر من عشقها.. في الأزقة رائحة الخبير والحلوى لتذكرنا بمحاسن العيش ومذاق العشق، لا أحد يكتفي هنا من الخبز بالسكر، من يد إلى يد، ومن فم إلى فم يذوب القمح في الأعماق، ثم ينعش الذاكرة المبهمة.
في هذه المدينة خياط ينسج ثوبا من الحرير الخالص، ولا أحد يعرف مصير صاحبه.. ربما كان ثوبا لعروس تشتاق ونتمنى، أو لوالي الخراج الذي يمشي في الأرض مختالاً فرحًا، ربما كان مصنوعا من خيوط ممتزجة ببلاءٍ ومعاناة أو صبر وجلد.. هنا يكمن فرح غير مكتمل، وجسد عاجز دوما حتى لو أخذته العزة بالإثم.
في هذه المدينة حداد يصنع السيوف ويفكر فيمن سيموت بها، يتمنى أن تقضي على كل ظالم وكل طامع، ويعرف أنها ستبتر رؤوسًا بريئة، وبعض رءوس التائهين في طرق كلها ظلام، وكثيرا من رءوس المحاربين من أجل الذاكرة التي دوما تتسرب من بين أيدينا.
وهذا الدكان ينسخ كتبا عن تاريخ قد مضى وأخر آت، يحاول أن يجمع الذاكرة في خفية، ويتذكر حكمة القدماء، ولكنه ينهزم أمام النار والدمار. وعندما يمحى أثر المدينة وتنتصر القوة على الذاكرة لا بد من الكتابة.. في الإبقاء على الأوراق بعض الانتصار. هنا مات شيخ ولم يتزحزح عن الحق، وهنا راح رجل ضحية حلمه، وهنا تبدّى العجز لكل قوي، وتفشى الضعف لكل ظالم، هنا اكتشف الإنسان أنه يفقد بضعة منه في كل يوم يمر عليه، وأن النهاية قادمة لا محالة، وسوف يصاحبها بعض اليأس والكثير من الحنين.
ريم بسيوني، كاتبة وروائية مصرية، أستاذة في الجامعة الامريكية، فائزة بجائزة ساويرس الأدبية عن روايتها «الدكتورة هناء»، وجائزة أحسن عمل مترجم في الولايات المتحدة الأمريكية عن روايتها «بائع الفستق وجائزة نجيب محفوظ للأدب من المجلس الأعلى للثقافة عن روايتها أولاد الناس ثلاثية المماليك».