أن تكون ذاتك بالدرجة التي تجعلك الناس كلهم، هذا ما يمنح السيرة الذاتية -كفنٍ كتابي- غناها، حيويتها، ونضجها. بذلك، لا يمكن التفريق بين الخاص والعام، المقولة أو الذاكرة، المعايشة أو السرد، إنها تصير به فن التأمل العميق لما يُلفت ولا يُلفت الانتباه، أليس هذا ما يتقنه حسن مدن؟ الذي يقول في هذا الكتاب: «يصعب على المرء أن يتحدث عن الآخر دون الحديث عن نفسه، والعكس صحيح، إنه يدرك في العمق أن الحديث عن ذاته لا يستقيم دون الحديث عن الآخر القرين.»
وهنا، في هذا الكتاب يحدثنا مدن عن غرباته ومنافيه، عن مدنه الأثيرة وأماكنه المحببة، عن ناسه القريبين وعن خساراته الأليمة، لكنه في كل ذلك لا ينجرف وراء غواية ثرثرة السرد التي قد تقدمها فكرة السيرة الذاتية، إنه يقظ تماماً لما يريد منحه لنا ولنفسه، فرصة اكتشاف الذات وليس تقديمها لنا، فرصة أن يكوننا جميعاً إذ هو يتحدث عن نفسه.
إنها سيرة ذاتية عن كاتب اختارته السياسة فاختار الأدب، وعن إنسانٍ اختارته المنافي فاختار الحنين، وعن حالمٍ اختاره الواقع فاختار الحياة في الكتب.
د. حسن مدن، من مواليد البحرين 1956، كاتب ومفكربحريني حاصل على دكتوراه فلسفة في التاريخ الحديث والمعاصر، صدرت له عدة مؤلفات، من أبرزها: (خارج السرب)، (الثقافة في الخليج: أسئلة برسم المستقبل)، (ترميم الذاكرة)، (الكتابة بحبر أسود)، (للأشياء أوانها).عمل رئيس تحرير نشرة التقدمي.