كنت أتعامل مع كثير مما يقوله بوصفه مبالغات درامية لأديب مقموع، فقد حكي لي أنه كان يحضر ندوات "نادي القصة"، القريب من الأستديو وأنه عرض، مرة، قصصه على أحد مشاهير أدباء النادي، فنصحه بألا يعود للكتابة لأن "المشرحة مش ناقصة قتلى".. لكنني كنت أصدقه في كل ما يحكيه عن زوجته، ليس فقط لأن صوته كان يتهدج وقسماته تختلج كلما تحدث عنها، بل لأن نظرات عينيها إليه في كل تلك الصور التي كان يلتقطها لها ليلة عيد ميلادها من كل عام كانت وحدها تأكيدا لكل ما يحكيهكنت أقول لنفسي إنه ربما كان وراء محبته الغامرة قدْر من الامتنان لأنها لم تتركه، حين ثبت أنه لا ينجب، حتى أنها خاصمت في ذلك أهلها لسنين، قبل أن تثبت الأيام أن أخواتها اللواتي اخترن "عِزوة الخلفة" لم يكن حظهن سعيداً مثلها.. لكنه كان كلما حكى عنها يضيف أسباباً لمحبتها، مؤكداً في كل مرة أنه ليس كل ما يُعاش يُقال. وأسباب المحبة التي كان يسوقها في حكيه سمعتُ بعضها من آخرين أحبوا زوجاتهم، وعشت بعضها لحسن الحظ. لكن السبب الذي تفرّد به عم فريد هو أن منية النفس كانت وحدها، من بين النساء، تجيد ست وصفات مختلفة لعمل الرز بالشعرية.
قلت ضاحكاً إن الرز بالشعرية له وصفة وحيدة، هي أن تضع الشعرية على الرز فوق النار، وإن تغيير السمن بالزيت خلال طبخ الرز بالشعرية ليس وصفة جديدة، بل طريقة طبخ مختلفة، وأنه لو فرضنا أنها أضافت إلى الطبق بعض الزبيب والمكسرات لأصبح طبقا مختلفا تماما، اسمه رز بالشعرية والزبيب والمكسرات.. فلم يرد وتجاهلني، كأنه عارف بالله يسمع هرطقة مُجدِّف حديث العهد. وحين كرر موضوع وصفات الرز بالشعرية بعد فترة، قلت له إن الحب أدخله في حالة فانتازية دائمة كالتي خاضها مجانين الحب القدامى، فقال غاضباً إنني قضمت للتو التفاحة التي حرمتني من دخول جنته، وإنه كان سيطلب من منية النفس دعوتي إلى وليمة تقدم فيها كل وصفات الرز بالشعرية دفعة واحدة ليطمئن قلبي. ورغم أنني كابرت واتهمته بالتهرب من إثبات ما يدّعي، فإنني اغتظت لأن نزقي حرمني من فرصة، ربما كانت حقيقية، لرؤية عش الحب الذي يجمع وليفين نادرين مثلهما.
لم تكن "منية النفس" أجمل النساء بمقاييس الجمال السائدة في واجهات أستديوهات التصوير، والتي يعتبرها أصحاب الأستديوهات وسيلة مضمونة لـ"جرّ رِجل" الزبائن. كان عم فريد يرى في هذا التصرف غباءً منقطع النظير، لأن المصوراتي يرفع به سقف توقعات زبونه ويورط نفسه في مهمة لا يقدر عليها إلا الله وعباده المصطفون من أطباء التجميل، مهمة تحويل الفسيخ إلى شربات. يشير شارحاً فلسفته إلى صور جدران محله: "آديك شايف، كلها صور حلوة، مش عشان البني آدمين اللي فيها حلوين، عشان أنا عملت فيها شغل حلو، هو أنا اللي خلقت البشر عشان أقعد أدّيهم درجات في الحلاوة، الحلو أصّدره في الفاترينة، والمضروب أداريهْ، طب لازمتي إيه ساعتها".
بلال فضل كاتب وسيناريست مصري. من مواليد سنة 1974 م بالقاهرة حي منشية البكرى وعاش طفولته في الإسكندرية حيث كانت تقيم عائلته في حي محرم بك، تخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة قسم الصحافة عام 1995. عمل تحت التمرين في عام 1994 في مجلة روز اليوسف التي كانت وقتها منبرا للمعارضة الليبرالية واليسارية في عهد مبارك، ثم تركها ليعمل سكرتيرا لتحرير جريدة الدستور أشهر الصحف المصرية المعارضة والتي بدأ صدورها في عام 1995 واستمر بها حتى إغلاقها بقرار رئاسي في مطلع عام 1998، وكان إلى جوار عمله كسكرتير للتحرير يكتب المقالات والتحقيقات ويشرف على صفحة بريد القراء. بعد إغلاق الدستور كتب في عدد من الصحف والمجلات مثل الكواكب وصباح الخير والمصور والهلال والأسبوع ووجهات نظر والاتحاد والوسط اللندنية وعمل معدا تلفزيونيا في ART ثم نائبا لمدير مكتب محطة إم بي سي بالقاهرة لمدة عام. كما عمل محررا عاما لجريدة الجيل المصرية ثم شارك في تأسيس جريدة القاهرة الصادرة عن وزارة الثقاقة مع الكاتب صلاح عيسى وعمل مديرا لتحريرها لعدة أشهر قبل أن يقرر ترك الصحافة نهائيا بعد خلافات مع رئيس التحرير.